فوزي آل سيف

6

من قصة الديانات والرسل

2/ كما أنه بحسب ما ورد في الروايات كان (خيّاطًا)[13]، بل أول من خاط الثياب، ولعل كونه خياطًا يضيء لنا فكرة مهمة وهي: تعليم الله سبحانه للإنسان إدارة شؤون حياته، فإن قسما من إدارة حياة الإنسان تعرف عليها الناس من خلال التجربة، لكن قسمًا آخر كان لا بد أن يتعلمها الإنسان من خالقه عبر أنبيائه ورسله، ومن ذلك ما ذكره القرآن من أن الله (علمه البيان)، فقد يكون أمر الخياطة أيضًا مما علمه الله للناس من خلال الأنبياء.. وقد يكون ما أشار إليه القرآن من أن آدم وحواء لما بدت لهما سوءاتهما (وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ)[14]قد عرفنا الطريقة الأولى للبشر في الستر، ثم تطورت باستعمال الجلود، وقال بعض الكتاب أن غاية ما كان يصنعه الناس حينها أنهم كانوا يسترون العورتين بالجلود، إلى أن تطورت البشرية إلى لبس المخيط، وهنا تأتي أهمية معرفة الخياطة التي جاء بها ادريس النبي. 3/ ويظهر من بعض المصادر أنه كان يقوم بخطوات مهمة في التنظيم الاجتماعي والاقتصادي للمجتمع، فقد قيل إنه أظهر الأوزان والأكيال وأنار علم النجوم[15]. وينقل الري شهري عن كتاب القفطيّ؛ إخبار العلماء بأخبار الحكماء بأن إدريس لما خرج من بابل وقصد مصرا وأقام فيها بمن هاجر معه من المؤمنين "رسم لهم تمدين المدن، وجمع له طالبي العلم بكلّ مدينة فعرّفهم السياسة المدنيّة وقرّر لهم قواعدها، فبنت كلّ فرقة من الاُمم مدنًا في أرضها... وهو أوّل من استخرج الحكمة وعِلم النجوم؛ فإنّ اللّه عَزَّ وجلَّ أفهمه سرّ الفلك وتركيبه ونقط اجتماع الكواكب فيه وأفهمه عدد السنين والحساب، ولو لا ذلك لم تصل الخواطر باستقرائها إلى ذلك. وأقام للأمم سُننًا في كلّ إقليم تليق كلّ سنّة بأهلها، وقسّم الأرض أربعة أرباع..". [16] وبالرغم من أن العلامة الطباطبائي في الميزان رأى أن هذه الأحاديث لا يعول عليها كل التعويل، لكونها تنتهي إلى ما قبل التاريخ " غير أنه ذكر أن بقاء ذكره الحيّ بين الفلاسفة وأهل العلم جيلًا بعد جيل وتعظيمهم له واحترامهم لساحته وإنهاءهم أصول العلم إليه يكشف عن أنه من أقدم أئمة العلم الذين ساقوا العالم الإنساني إلى ساحة التفكر الاستدلالي والإمعان في البحث عن المعارف الإلهية أو هو أولهم عليه ‌السلام "[17]. 4/ محيط رسالته ودعوته، كما يظهر من الروايات كان: بابل وما يتصل بها من مناطق الجنوب في العراق وورد ذكر هجرته عن نهر يفترض أنه الفرات إلى منطقة أخرى فيها نهر كبير والتصريح بأنها مصر، ولا نعلم هل كان سبب الهجرة هو التبليغ لدعوة الله تعالى من منطقة لأخرى؟ أو أن ظروفًا حصلت في بابل اقتضت منه الهجرة والنزوح وإلا فقد كان موضعه الاعتيادي في ما صار فيما بعد (مسجد السهلة) كما جاء في رواية عن الامام الصادق عليه السلام مرت آنفا في الهامش. 5/ (ورفعناه مكانا عليا): بعد (365) من السنوات، انتهت مدة بقاء النبي ادريس على الأرض وذكر القرآن الكريم مصيره بعد ذلك، فقال ورفعناه مكانا عليا؛ وهذه تحتمل معنيين فمن الممكن أن تكون ناظرة إلى أن النبي ادريس لم يمت وإنما رفع إلى السماء ـ المكان العلي ـ مثلما

--> 13 البروجردي، السيد حسين: جامع أحاديث الشيعة 4 / 552 ذكر فيه (مسجد السهلة):.. اما علمت أنه موضع بيت إدريس النبي عليه السلام الذي كان يخيط فيه ومنه سار إبراهيم عليه السلام إلى اليمن بالعمالقة، ومنه سار داود إلى جالوت. 14 الأعراف: 22 15 النويري؛ أحمد بن عبد الوهاب: نهاية الأرب في فنون الأدب ١٣/‏٣٨ 16 الري شهري؛ المحمدي الشيخ محمد:ميزان الحكمة 11 /273 17 الطباطبائي؛ السيد محمد حسين: الميزان في تفسير القرآن 14/ 73